ابن عربي

116

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) * من محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار روينا من حديث الهاشمي يبلغ به النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « يا أيها الناس ، أقبلوا على ما كلفتموه من إصلاح آخرتكم ، وأعرضوا عما ضمن لكم من أمر دنياكم ، ولا تستعملوا جوارحا غذيت بنعم اللّه في التعرض لسخطه بمعصيته ، واجعلوا شغلكم بالتماس مغفرته ، واصرفوا هممكم إلى التقرب إليه بطاعته ، فإنه من بدأ بنصيبه من الدنيا فاته نصيبه من الآخرة ، ولا يدرك منها ما يريد ، ومن بدأ بنصيبه من الآخرة وصل إليه نصيبه من الدنيا ، وأدرك من الآخرة ما يريد » . ومن وقائع بعض الفقراء إلى اللّه تعالى : ما حدثنا به عبد اللّه ابن الأستاذ المروزي بمروزة ، قال : قال لي بعض الصالحين : رأيت في الواقعة أبا مدين ، وأبا حامد ، وأبا طالب ، وأبا يزيد ، وجملة من الصوفية ، فقال أبو يزيد للشيخ ، يعني أبا مدين : زدنا من التوحيد شيئا . فقال : التوحيد هو النور الذي منه مادة كل نور ، وما عداه فأغشية وستور . هو الساتر المستور ، وهو الأصل في كل الأمور ، مادّته لكل ناقص وزائد ، وما تفرّق في الوجود فهو عنده واحد . أودع بعض العارفين من الأسرار ما ميّزه بها عن الأغيار ، وأجرى ينابيع الحكمة في قلبه فأنبتت أرضه ثمار الإيمان ، وأزهرت بأنوار الإحسان ، فأعبقت بنسيم الذكر ، وجال فكره في ميدان الفكر ، فرئي في حضرة الملكوت شاخصا . واختطفه معنى الوحدانية مقافصا ، فأفنته عن وجوده وعن الإحساس ، وغيّبته عن مشاهدة الأنواع والأجناس ، فكشفت له الغطاء عن سر الأسرار ، فتلاشت الآثار والأخبار ، فعاين من عظمة الجلال ما يليق به ، وكشف السر الإلهي لعينه من غيبه ، فامتزج نوره بنور النور ، وتجلّى لقلبه الملك الغفور . فصفات العارف أبدا تسمو وترقى ، وأسراره لمالكه تزداد شوقا . قلبه له أبدا سليم ، وسرّه في الحضرة معه مقيم ، ليس منه في الوجود إلا ظاهره ، ينتظر ما ترد به أوامره ، لا